فصل: تفسير الآية رقم (37):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (36):

{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36)}
{والذين كَذَّبُواْ} منكم {بئاياتنا} التي تقص {واستكبروا عَنْهَا} ولم يقبلوها {أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون} لتكذيبهم واستكبارهم. وهذه الجملة عطف على الجملة السابقة. وإيراد الاتقاء فيها للإيذان بأن مدار الفلاح ليس مجرد عدم التكذيب بل هو الاتقاء والاجتناب عنه. وإدخال الفاء في الوعد دون الوعيد للمبالغة في الأول والمسامحة في الثاني.

.تفسير الآية رقم (37):

{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37)}
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا} أي تعمد الكذب عليه سبحانه ونسب إليه ما لم يقل {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ} أو كذب ما قاله جل شأنه. والاستفهام للانكار وقد مر تحقيق ذلك {أولئك} إشارة إلى الموصول. والجمع باعتبار المعنى كما أن الإفراد في الضمير المستكن في الفعلين باعتبار اللفظ. وما فيه من معنى البعد للايذان بتماديهم في سوء الحال أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الافتراء والتكذيب {يَنَالُهُمُ} أي يصيبهم {نَصِيبُهُم مّنَ الكتاب} أي مما كتب لهم وقدر من الأرزاق والآجال مع ظلمهم وافترائهم لا يحرمون ما قدر لهم من ذلك إلى انقضاء أجلهم فالكتاب عنى المكتوب. وتخصيصه بما ذكر مروي عن جماعة من المفسرين. وعن ابن عباس أن المراد ما قدر لهم من خير أو شر. ومثله عن مجاهد. وعن أبي صالح ما قدر من العذاب. وعن الحسن مثله. وبعضهم فسر الكتاب بالمكتوب فيه وهو اللوح المحفوظ. ومن لابتداء الغاية، وجوز فيها التبيين والتبعيض والجار والمجرور متعلق حذوف وقع حالا من {نَصِيبَهُمْ} أي كائنًا من الكتاب.
{حتى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا} أي ملك الموت وأعوانه {يَتَوَفَّوْنَهُمْ} أي حال كونهم متوفين لأرواحهم وحتى غاية نيلهم وهي حرف ابتداء غير جارة بل داخلة على الجمل كما في قوله:
وحتى الجياد ما يقدن بأرسان

وقيل: إنها جارة. وقيل: لا دلالة لها على الغاية وليس بشيء. وعن الحسن أن المراد حتى إذا جاءتهم الملائكة يحشرونهم إلى النار يوم القيامة وهو خلاف الظاهر. وكان الذي دعاه إلى ذلك قوله تعالى: {قَالُواْ} أي الرسل لهم {أَيْنَ مَا الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} أي أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدنيا وتستعينون بها في المهمات {قَالُواْ ضَلُّواْ} أي غابوا {عَنَّا} لا ندري أين مكانهم فإن هذا السؤال والجواب وكذا ما يترتب عليهما مما سيأتي إنما يكون يوم القيامة لا محالة ولعله على الظاهر أريد بوقت مجيء الرسل وحال التوفي الزمان الممتد من ابتداء المجيء والتوفي إلى نهاية يوم الجزاء بناء على تحقق المجيء والتوفي في ذلك الزمان بقاء وإن كان حدوثهما في أوله فقط أو قصد بيان غاية سرعة وقوع البعث والجزاء كأنهما حاصلان عند ابتداء التوفي. و{مَا} وصلت بأين في المصحف العثماني وحقها الفصل لأنها موصولة ولو كانت صلة لا تصلت.
{وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ} أي اعترفوا على أنفسهم. وليس في النظم ما يدل على أن اعترافهم كان بلفظ الشهادة فالشهادة مجاز عن الاعتراف {إِنَّهُمْ كَانُواْ} في الدنيا {كافرين} عابدين لما لا يستحق العبادة أصلا حيث اتضح لهم حاله، والجملة يحتمل أن تكون استئناف إخبار من الله تعالى باعترافهم على أنفسهم بالكفر. ويحتمل أن تكون عطفًا على {قَالُواْ} وعطفها على المقول لا يخفى ما فيه. والاستفهام على ما ذهب إليه غير واحد غير حقيقي بل للتوبيخ والتقريع وعليه فلا جواب. وما ذكر إنما هو للتحسر والاعتراف بما هم عليه من الخيبة والخسران ولا تعارض بين ما في هذه الآية وقوله تعالى: {والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] لأن الطوائف مختلفة أو المواقف عديدة أو الأحوال شتى.

.تفسير الآية رقم (38):

{قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38)}
{قَالَ} أي الله عز وجل لأولئك الكاذبين المكذبين يوم القيامة بالذات أو بواسطة الملك {ادخلوا فِي أُمَمٍ} أي مع أمم، والجار والمجرور في موضع الحال أي مصاحبين لامم {قَدْ خَلَتْ} أي مضت {مِن قَبْلِكُم مّن الجن والإنس} يعني كفار الأمم من النوعين، وقدم الجن لمزيد شرهم {فِى النار} متعلق بأدخلوا، وجوز أن يتعلق {فِى أُمَمٍ} به ويحمل {فِى النار} على البدلية أو على أنه صفة {أُمَمٌ}؛ وجوز بعض المفسرين أن يكون هذا إخبارًا عن جعله سبحانه إياهم في جملة أولئك من غير أن يكون هناك قول مطلقًا أي إنه تعالى جعلهم كذلك وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ} من الأمم تابعة أو متبوعة في النار {لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} أي دعت على نظيرها في الدين فتلعن التابعة المتبوعة التي أضلتها وتلعن المتبوعة التابة التي زادت في ضلالها، وعن أبي مسلم يلعن الأتباع القادة يقولون أنتم أوردتمونا هذه الموارد فلعنكم الله تعالى.
{حَتَّى إِذَا اداركوا فِيهَا جَمِيعًا} غاية لما قبله أي يدخلون فوجًا فوجًا لاعنا بعضهم بعضًا إلى انتهاء تلاحقهم باجتماعهم في النار. وأصل {اداركوا} تداركوا فادغمت التاء في الدال بعد قلبها دالًا وتسكينها ثم اجتلبت همزة الوصل. وعن أبي عمرو أنه قرأ: {اداركوا} بقطع ألف الوصل وهو كما قيل مبني على أنه وقف مثل وقفة المستذكر ثم ابتدأ فقطع وإلا فلا مساغ لذلك في كلام الله تعالى الجليل، وقرأ {إِذَا} بألف واحدة ساكنة ودال بعدها مشددة وفيه جمع بين ساكنين وجاز لما كان الثاني مدغمًا ولا فرق بين المتصل والمنفصل {جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ} منزلة وهم الأتباع والسفلة {لاولاهم} منزلة وهم القادة والرؤساء أو قالت أخراهم دخولًا لأولاهم كذلك، وتقدم أحد الفريقين على الآخر في الدخول مروي عن مقاتل، واللام في {لاولاهم} للتعليل لا للتبليغ كما في قولك: قلت لزيد افعل كذا لأن خطابهم مع الله تعالى لا معهم كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عنهم: {رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا} أي دعونا إلى الضلال وأمرونا به حيث سنوه فاقتدينا بهم {قَالَ ادخلوا فِى} أي مضاعفا كما روي عن مجاهد {مِنَ النار}.
والضعف على ما قال أبو عبيد ونص عليه الشافعي في الوصايا مثل الشيء مرة واحدة، وعن الأزهري أن هذا معنى عرفي والضعف في كلام العرب وإليه يرد كلام الله تعالى المثل إلى ما زاد ولا يقتصر على مثلين بل هو غير محصور واختاره هنا غير واحد. وقال الراغب: الضعف بالفتح مصدر وبالكسر اسم كالشَّيء والشِّيء وضعف الشيء هو الذي يثنيه ومتى أضيف إلى عدد اقتضى ذلك العدد ومثله نحو أن يقال ضعف عشرة وضعف مائة فذلك عشرون ومائتان بلا خلاف؛ وعلى ذلك قول الشاعر:
جزيتك ضعف الود لما اشتكيته ** وما إن جزاك الضعف من أحد قبلى

وإذا قيل: أعطه ضِعْفَيْ واحد اقتضى ذلك الواحد ومثليه وذلك ثلاثة لأن معناه الواحد واللذان يزاوجانه، وذلك ثلاثة هذا إذا كان الضعف مضافًا فإذا لم يكن مضافًا فقلتَ: الضعفين فقد قيل: يجري مجرى الزوجين في أن كل واحد منهما يزاوج الآخر فيقتضي ذلك اثنين لأن كل واحد منهما يضاعف الآخر فلا يخرجان منهما. اهـ. ونصب {ضعافا} على أنه صفة لعذاب، وجوز أن يكون بدلًا منه و{مِنَ النار} صفة العذاب أو الضعف.
{قَالَ} سبحانه وتعالى: {لِكُلّ} منكم ومنهم عذاب {ضِعْفَ} من النار، أما القادة فلضلالهم وإضلالهم وذلك سبب الدعاء السابق، وأما الأتباع فلذلك أيضًا عند بعض، وكونهم ضالين ظاهر وأما كونهم مضلين فلان اتخاذهم إياهم رؤساء يصدرون عن أمرهم يزيد في طغيانهم كما قال سبحانه وتعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ الجن فَزَادوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6]، واعترض بعدم اطراده فإن اتباع كثير من الأتباع غير معلوم للقادة إلا أن يقال: إنه مخصوص ببعضهم؛ وقيل: الأحسن أن يقال: إن ضعف الأتباع لإعراضهم عن الحق الواضح وتولي الرؤساء لينالوا عرض الدنيا اتباعًا للهوى، ويدل عليه قوله تعالى: {قَالَ الذين استكبروا لِلَّذِينَ استضعفوا أَنَحْنُ صددناكم عَنِ الهدى بَعْدَ إِذْ جَاءكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ} [سبأ: 32] وفيه ما فيه. والأولى أن يقال: إن ذلك في الأتباع لكفرهم وتقليدهم ولا شك أن التقليد في الهدى ضلال يستحق فاعله العذاب، ونقل الراغب عن بعضهم في الآية أن المعنى «لكل منكم ومنهم ضعف ما يرى الآخر فإن من العذاب ظاهرًا وباطنًا وكل يدرك من الآخر الظاهر دون الباطن فيقدر أن ليس له العذاب الباطن»، واختار أن المعنى «لكل منهم ضعف ما لكم من العذاب» والظاهر ما عولنا عليه.
{ولكن لاَّ تَعْلَمُونَ} ما لكم أو ما لكل فريق فلذا تكلمتم بما يشعر باعتقادكم استحقاق الرؤساء الضعف دونكم فالخطاب على التقديرين للأتباع كما هو الظاهر. وقيل: إنه على الأول للأتباع، وعلى الثاني للفريقين بتغليب المخاطبين الذين هم الأتباع على الغيب الذين هم القادة. وقرأ عاصم {لاَّ يَعْلَمُونَ} بالياء التحتية على انفصال هذا الكلام عما قبله بأن يكون تذييلًا لم يقصد به إدراجه في الجواب، ومن ادعى أن الخطاب للفريقين على سبيل التغليب قال: إن هذه القراءة على انفصال القادة من الأتباع إذ عليها لا يمكن القول بالتغليب إذ لا يغلب الغائب على المخاطب.

.تفسير الآية رقم (39):

{وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39)}
{وَقَالَتْ أولاهم لاِخْرَاهُمْ} حين سمعوا جواب الله تعالى لهم، واللام هنا يجوز أن تكون للتبليغ لأن خطابهم لهم بدليل قوله سبحانه وتعالى: {فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} أي إنا وإياكم متساوون في استحقاق العذاب وسببه، وهذا مرتب على كلام الله تعالى على وجه التسبب لأن ءخباره سبحانه بقوله جل وعلا: {لِكُلّ ضِعْفٌ} [الأعراف: 38] سبب لعلمهم بالمساواة فالفاء جوابية لشرط مقدر أي إذا كان كذلك فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا. وقيل: إنها عاطفة على مقدر أي دعوتم الله تعالى فسوى بيننا وبينكم فما كان إلخ وليس بشيء. وأيًا ما كان فقد عنوا بالفضل تخفيف العذاب ووحدة السبب، وأما ما قيل من أن المعنى ما كان لكم علينا من فضل في الرأي والعقل وقد بلغكم ما نزل بنا من العذاب فلم اتبعتمونا فكما ترى. وقيل: المعنى ما كان لكم علينا في الدنيا فضل بسبب اتباعكم إيانا بل اتباعكم وعدم اتباعكم سواء عندنا فاتباعكم إيانا كان باختياركم دون حملنا لكم عليه، وعليه فليس مرتبًا على كلام الله تعالى وجوابه كما في الوجه الأولى {فَذُوقُواْ العذاب} المضاعف {ا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} أي بسبب كسبكم أو الذي تكسبونه. والظاهر أن هذا من كلام القادة قالوه لهم على سبيل التشفي. وترتبه على ما قبله على القول الأخير في معنى الآية في غاية الظهور. وجوز أن يكون من كلام الله تعالى للفريقين على سبيل التوبيخ والوقف على {فَضَّلَ}. وقيل: هو من مقول الفريقين أي قالت كل فرقة للأخرى ذوقوا إلخ وهو خلاف الظاهر جدًا.

.تفسير الآية رقم (40):

{إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40)}
{إِنَّ الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا} الدالة على أصول الدين وأحكام الشرع كالأدلة الدالة على وجود الصانع ووحدته والدالة على النبوة والمعاد ونحو ذلك {واستكبروا عَنْهَا} أي بالغوا في احتقارها وعدم الاعتناء بها ولم يلتفتوا إليها وضموا أعينهم عنها ونبذوها وراء ظهورهم ولم يكتسوا بحلل مقتضاها ولم يعملوا به {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ} أي لأرواحهم إذا ماتوا {أبواب السماء} كما تفتح لأرواح المؤمنين. أحمد والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل صالحًا قال: أخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب أخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب راض غير غضبان فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا؟ فيقولون: فلان بن فلان فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب أدخلي حميدة وأبشري روح وريحان ورب راض غير غضبان فلا تزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة وإذا كان الرجل سوأ قال: أخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث أخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان بن فلان فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة لا تفتح لك أبواب السماء فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر» والأخبار في ذلك كثيرة. وقيل: لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم أبواب السماء. وروي ذلك عن الحسن ومجاهد. وقيل: لا تفتح لأرواحهم ولا لأعمالهم. وروي ذلك عن ابن جريج. وقيل: المراد لا يصعد لهم عمل ولا تنزل عليهم البركة.
وكون السماء لها أبواب تفتح للأعمال الصالحة والأرواح الطيبة قد تفتحت له أبواب القبول للنصوص الواردة فيه وهو أمر ممكن أخبر به الصادق فلا حاجة إلى تأويله. وكون السماء كروية لا تقبل الخرق والالتئام مما لا يتم له دليل عندنا. وظاهر كلام أهل الهيئة الجديدة جواز الخرق والالتئام على الأفلاك. وزعم بعضهم أن القول بالأبواب لا ينافي القول بامتناع الخرق والالتئام وفيه نظر كما لا يخفى. والتاء في {تُفَتَّحُ} لتأنيث الأبواب والتشديد لكثرتها لا لكثرة الفعل لعدم مناسبة المقام. وقرأ أبو عمرو بالتخفيف وحمزة والكسائي به وبالياء التحتية وروي ذلك عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن التأنيث غير حقيقي والفعل مقدم مع وجود الفاصل. وقرئ على البناء للفاعل ونصب الأبواب بالتاء الفوقية على أن الفعل مسند إلى الآيات مجازًا لأنها سبب لذلك.
وبالياء على أنه مسند إلى الله تعالى.
{وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة} يوم القيامة {حتى يَلِجَ} أي يدخل {الجمل} «هو البعير إذا بزل وجمعه جمال وأجمال وجمالة ويجمع الأخير على جمالات». وعن ابن مسعود أنه سئل عن الجمل فقال: هو زوج الناقة. وعن الحسن أنه قال: ابن الناقة الذي يقوم في المربد على أربع قوائم وفي ذلك استجهال للسائل وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف. والعرب تضرب به المثل في عظم الخلقة فكأنه قيل: حتى يدخل ما هو مثل في عظم الجرم {فِى سَمّ الخياط} أي ثقبة الابرة وهو مثل عندهم أيضًا في ضيق المسلك وذلك مما لا يكون فكذا ما توقف عليه بل لا تتعلق به القدرة لعدم إمكانه ما دام العظيم على عظمه والضيق على ضيقه. وهي إنما تتعلق بالممكنات الصرفة. والممكن الولوج بتصغير العظيم أو توسيع الضيق. وقد كثر في كلامهم مثل هذه الغاية فيقولون: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب وحتى يبيض القار وحتى يؤوب القارظان ومرادهم لا أفعل كذا أبدًا، وقرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد وعكرمة. والشعبي {الجمل} بضم الجيم وفتح الميم المشددة كالقمل.
وقرأ عبد الكريم وحنظلة وابن عباس وابن جبير في رواية أخرى {الجمل} بالضم والفتح مع التخفيف كنغر. وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ {الجمل} بضم الجيم وسكون الميم كالقفل و{الجمل} بضمتين كالنصب، وقرأ أبو السمال {الجمل} بفتح الجيم وسكون الميم كالحبل، وفسر في جميع ذلك بالحبل الغليظ من القنب. وقيل: هو حبل السفينة، وقرئ {فِى سَمّ} بضم السين وكسرها وهما لغتان فيه والفتح أشهر، ومعناه الثقب الصغير مطلقًا. وقيل: أصله ما كان في عضو كأنف وأذن، وقرأ عبد الله {فِى سَمّ} بكسر الميم وفتحها وهو والخياط ما يخاط به كالحزام والمحزم والقناع والمقنع.
{تَتْبِيبٍ وكذلك} أي مثل ذلك الجزاء الفظيع {نَجْزِى المجرمين} أي جنسهم وأولئك داخلون فيه دخولًا أوليًا، وأصل الجرم قطع الثمرة عن الشجرة. ويقال: أجرم صار ذا جرم كأتمر وأثمر، ويستعمل في كلامهم لاكتساب المكروه، ولا يكاد يقال للكسب المحمود.